Banner1
innerBanner1
InnerTop

التراث التقافي غير المادي

حكمت النوايسة

المقصود بالتراث الثقافي غير المادي وفق اتفاقية اليونسكو للعام 2003 " الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمّي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويعزز من ثمّ احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية".

ولا شكّ أن مثل هذا التراث في تكامله في الإطار الوطني يشكّل الخلفية الاجتماعية والثقافية لصياغة الهوية الوطنية والقومية لأي أمة من الأمم، فضلا عن كونه شاهدا حيّا على قدرة الإنسان على الإنتاج في الظروف المختلفة، ونقصد بالإنتاج هنا الإنتاج  الثقافي والمادي، وهذه الخلفية ذات البعد الجدلي، هي التي تصوغ وجدان الناس تجاه الحياة وتفصيلاتها، إذ إن كثيرا من الباحثين يؤكدون العلاقة الجدلية بين المشكلات التي تواجهها الجماعات الإنسانية وتشكيل ثقافتها، ولنا أن نتمثل ببعض الطقوس القديمة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بغضب الطبيعة ورضاها عندما عجز الإنسان عن تفسير تلك الظواهر الطبيعية كالفيضانات والحرائق الكبرى وظاهرة المطر ومصاحباته من برق ورعد... كما أن كثيرا من العادات والتقاليد هي وليدة حاجة ما، ونأخذ مثلا الحاجة إلى التعاون في المجتمع الزراعي في القرى الأردنية، إذ إن تلك الحاجة استدعت مفهوم " الفزعة" وهذه الفزعة التي كانت تلبية لحاجة أصبحت عادة، ثم تقليد، وهذا التقليد قد حفر في الوجدان الجمعي فأصبح قيمة، وجزءا من الهوية في التراتب الاجتماعي.

ونأخذ مثالا من إغاثة الملهوف، فهو في الأساس حاجة اجتماعية في ظل غياب القوانين المركزية التي تحكم السلوك البشري/ الاجتماعي، مما استدعى تمجيد السلوكات التي تسهم في حماية الشخص المحتاج إلى حماية إلى أن يبلغ مأمنه، فصارت هذه السلوكات جاذبة، وصار الناس ينشدون تمثلها إلى أن أصبحت قيمة، ومنقبة يتمتع بها أشراف القوم وفرسانهم وساداتهم.

وفي المجتمع الكثير من السلوكات التي تحولت إلى قيم لحاجة المجتمع إليها في تنظيم سلوكه، وإذا تجاوزنا ذلك إلى النشاطات الأخرى كالأغاني والرقصات والأمثال وما إلى ذلك فإننا واجدون أن مثل هذه النشاطات كانت في الأصل لتعزيز السلوكات التي أملتها الحاجة، فظهر لدينا أغاني الحصاد، وأغاني الأفراح، ومراسم وطقوس الزواج بما يشكل بمجموعه خزين الهوية الوطنية والقومية، ومرد خصوصيتها، وهو ما يقود إلى مفهوم التنوع الثقافي والحضاري، هذا التنوع الذي يثري الإنسانية، ويعطي للحياة نكهة الاختلاف التي تؤدي إلى إثراء الفكر الإنساني بالبدائل والحلول التي تسهم في تفهّم الشراكات الحضارية، والتناوب الريادي في الحضارة الإنسانية.

الحاجة أمّ الفنون

لا يغيب عن البال وفق ما ورد، أنّ تفهّم التراث الثقافي غير المادي هو تفهّم لقدرة الإنسان على إنتاج أدواته، وإنتاج مفردات وأوابد البنية الفوقية لتعزيز استخدام هذه الأدوات التي هي نتاج القدرة على توظيف البيئة ومعطياتها في تيسير سبل العيش، والفنون المتنوعة لم تأت من عبث، ولم تكن في يوم من الأيام من أجل الفن، لأنها، مهما تأوّلنا في الغائية وعدمها، سنجد غاية ما لإنتاجها، فردية أو جمعية، ونحن في موضوعنا هذا نستشعر الغايات الجمعية، لندرك أنّ من السخريةِ السخريةَ من أي نشاط إنساني جماعي في الإنتاج، إذ إن جملة ظروف هي التي تؤدي إلى إغلاق سلسلة الخيارات/ الاحتمالات الإنسانية في استحسان طريقة الإنتاج، أو آليتها؛ فهو أولا استثمر أدوات البيئة المحيطة، ثمّ وظفها في صراع بقائه، ثمّ أراد أن ينقل التجربة إلى الأجيال، فصنع ثقافة الإنتاج المناسبة لرفع مكانة المهنة، وكينونتها من المقام النفعي/ الضروري، إلى المقام الثقافي لتشكل تراكما إضافيا إلى قواعد السلوك التي تواطأ عليها.

إن مثل هذا الفهم لمعطيات التراث الثقافي غير المادي كفيل بأن يعيد التوازن إلى الحياة التي تشوّهت بسبب تقسيم العالم إلى صانع محترف، ينتج الضروري والكمالي، ومتلق أجوف ليس له هم إلا عبادة الصناعة التي لن تأتيه خدماتها/ منتجاتها على طبق من فراغ ثقافي، وإنما تأتيه مشبّعة بقيمها التي ستطرد قيمه مع الأيام، ولنا مثل من حرفة الصيد؛ فقد أدت الخدمات التي يقدّمها الصانع إلى نقل هذه الحرفة من وسيلة عيش، إلى ترف تخلّت فيه المهنة عن قيمها واحتفظت بشكلها، فصرنا نوظف السيارة ذات الدفع الرباعي، والمنظار المتطور، وفائض الزمن لصيد صقر أو غيره، من أجل اللعب واللهو، لا من أجل الحاجة إلى صيد ذلك الصقر، أو ذلك الغزال المسكين، ولنا أن نتخيل أنّ صيد غزال عند بعض المترفين يكلّف ثمن قطيع من الأغنام.

ليس المترفون وحدهم من مسّتهم نظرية الصانع والبالع، وإنما الفقراء والأشقياء أيضا، ففي المجتمعات التي نالها نصيب من الوفرة الشكلية أصاب التشويه ثقافتها الخاصة، فإذا قرأنا صرخة ذلك المفكر الذي قال " إن الانجليز يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع، ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة"(داخل أوروبا) وارتسمت على شفاهنا بسمة دهشة، وعجب، فإن تلك البسمة ستتحوّل إلى حزن عميق إذا وضعنا المرآة بيننا وبين النص، ونظرنا إلى ذاتنا، شعوب العالم الثالث، لأننا سنتساءل: كم منّا من يعبد المجمع الصناعي ستة أيام في الأسبوع ويذهب في اليوم السابع إلى المسجد، أو الكنيسة أو المعبد؟ ولا شكّ أن الإجابة ستكون محزنة!

الخلوي يرضع الكهرباء

سألت صديقي البدوي الساخر: أين جهازك الخلوي، أريد أن أجري مكالمة. فقال: إنه يرضع. وفهمت ما قصده وذهبت إلى حيث نضع الأجهزة النقالة لشحنها بالكهرباء. ولم يدر في خلدي أن ضروراتنا، ومعرفة قوانينها، ستتحوّل إلى مجازات لغويّة. إنّ صورة (يرضع) قادمة من طفولة ما، في زمان ما، وثقافة ما، أصبحت الآن رصيدا مجازيا/ لغويا. ها أنا أتذكر أن العرب قد سمّوا تزويد الطائرة بالبنزين أثناء طيرانها بوساطة طائرة أخرى بـ ( الإرضاع الجوي)، فهل الطائرة رضيع يحتاج إلى مرضع، أم أن تلقينا للمنتج الصناعي قد أبقانا في مرحلة الرضاع الحضاري التي لم نستطع أن نبرحها!!

إن مثل هذا سوف يقودنا إلى الربط بين التنمية البشرية والتراث الثقافي غير المادي، وهو ربط ليس اعتسافيا، وإنما هو البحث عن مفردات الهويّة التي تساعدنا الإنتاج المفارق، وإنتاج الاختلاف، الذي يحدّ من تغوّل الصانع المغالي في الترف، والفقير الذي يلهث، ويعبده ستة أيام في الأسبوع، ليتشبه به؛ سيارة، وجهاز نقال، وربطة عنق غير ضرورية، وفراش غير مريح، وحذاء يناسب الشوارع المبلطة...

إنّ نمط الإنتاج الآسيوي الذي أصبح نمطا ثقافيا، هو نمط ضرورة بالأصل، لكنّه قد أصبح مع الزمن أفضل أنماط الاقتصاد في مواجهة التقلبات الكونية في الاقتصاد، والتي تنتج في الأغلب عن عبث الصناع، ومضارباتهم، ولنا أن نتصوّر القيمة المضافة التي توفرها زراعة المساحة المتاحة حول المنزل بما هو ضروري: قمح، أو خضار، ففضلا عن تلبية الحاجة، التي هي توفير الحاجات الأساسية للبيت من خبز وخضار وبعض الفاكهة المناسبة للبيئة، ولحم وحليب وبيض في حالة تربية بعض الحيوانات أو الطيور، فبالإضافة إلى ما توفره من ذلك، فإن فيه قيمة مضافة غير محسوبة، أو غير مرئية، لكنّها تحفر عميقا في تلقينا مفردات الحياة، فنحن نكون على تماس بالفصول الأربعة، في المناطق التي تتحقق فيها مثل هذه الفصول، وعلى تماس بالطبيعة وتقلّباتها على أعيننا، وتبدّلاتها وجماليات هذه التبدّلات؛ فمن منظر الربيع إلى منظر الصيف إلى الخريف إلى الشتاء، ومن منظر الأشتال إلى منظر السوق والبراعم والزهر أو النوار إلى الإثمار إلى القطاف إلى النهايات التي تذكرنا بنهايات أخرى في الدورة الحيوية، ومن منظر التزاوج بين الحيوانات والطيور إلى منظر الحمل أو البيض إلى منظر الولادة أو التفريخ إلى الرعاية والاحتضان الغريزي إلى الأدوار الطبيعية في الحياة، وهو ما يمنح عقولنا وأنفسنا هدأة تأمل، وربّما يذكّرنا بذلك الدرس السرمدي الذي تلقاه الإنسان من معلّمه الأول على الأرض، الغراب وهو يواري سوأة أخيه، إن في هذا من جماليات نفتقدها في ظل التعليب الكوني ما يشكّل حاجة ماسة حتى لأولئك الذين يصنعون وفق قاعدة الإنتاج الواسع أو الإنتاج بالجملة، لأن إنسانيتهم بحاجة إلى زمن مقتطع من الدعة في وسط الطبيعة ومعطياتها، ووسط الطبيعة المروّضة وجمالياتها.

وليس لنا أن نتصور تنمية بشرية دون أن يكون الإنسان ورفاهه من أولوياتها، فالتنمية التي تؤجل إنسانية الإنسان تنمية مشوّهة قادت، وستقود إلى الفشل، والعودة إلى المربع الأول، وإلى أسئلة الأهداف الأولى للحراك البشري على الأرض؛ ماذا تريد، ولماذا تريد ما تريد، وكيف تريده، وأين تريده؟

إن علاقة الفرد بالجماعة علاقة حاجات، وقوانينها تتم بتواطؤ تفرضه التجربة الحيوية، ومن هنا يمكن أن نحدد علاقات إنتاج (شبه طبيعية)، هي المؤهلة لأن تستمر، وتبني تراكما حضاريا، أما علاقات الإنتاج القادم من آخر يملك الحقيقة المطلقة، إلى آخر (هو ليس أنا وليس مثلي، وأنا أعلى منه)، فإنها ستورث التشوه الذي يقود إلى الهزّات الكبرى التي تعيد، وفق قاعدة هي خارج نطاق الانتخاب الطبيعي، تعيد توزيع الأدوار الحضارية، وإننا لنلمس، بشيء من التأمل، عملية إعادة توزيع الأدوار الحضارية عندما ننحّي عناصر السيطرة غير الطبيعية على مقدرات العالم، وننظر إلى السجن والاحتلال والتجسس والقمع بوصفها نتوءاتٍ غير طبيعية.

ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على التراث غير المادي للشعوب لأنه يسهم في خلق الحوار الحضاري الإنساني، وتنحية التشوّهات غير الطبيعية التي أوجدها السباق غير الطبيعي على السيطرة على شعوب تحتاج إلى ترويض، بوصفها آخرَ غيرَ ندٍّ، وليس له مكانة في الصف الأول للبشرية، بوصف ذلك الصف في قمة الهرم وفق تراتبية "داروينية" وليست جوارا إثرائيا للتجربة الإنسانية.

إننا بأمس الحاجة إلى تعزيز الهويّات الوطنية والقومية غير القاتلة، أي الهويّات التي تقبل الشراكة في إطار من التنوع، وتنظر إلى التنوع بوصفه القانون الطبيعي الذي يعطي للحياة أفضلية، ويحيّد ثقافات اليأس واقتصادياته، في مواجهة ماكنة التشييء التي تقودها شركات المجمعات الصناعية القارية، وتعمل على صناعة ثقافة سطحية متبدلة مع كل تطوير للمنتج الصناعي، التقني، وما تمليه من تمييع للأبعاد الجغرافية في حلقة من الوهم، الذي يتبدّد لحظة انقطاع الكهرباء، أو أي خلل في النظام الطبيعي الذي تستغلّه القوى الصناعية/ العسكرية لتشويه الإحساس الطبيعي بالأفق الحيوي

Share